محمد سعيد رمضان البوطي
128
فقه السيرة ( البوطي )
فلما تخيّرهم قال للنقباء : « أنتم كفلاء على قومكم ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم ، وأنا كفيل على قومي » . وكان أول من ضرب على يد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم البراء بن معرور ثم بايع القوم كلهم بعد ذلك . فلما بايعنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « ارفضّوا إلى رحالكم » فقال له العباس بن عبادة بن نفلة : « واللّه الذي بعثك بالحق إن شئت لنميلنّ على أهل منى غدا بأسيافنا » ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لم نؤمر بذلك ، ولكن ارجعوا إلى رحالكم » . فرجعنا إلى مضاجعنا ، فنمنا عليها حتى أصبحنا ، فلما أصبحنا غدت علينا جلّة قريش ، فقالوا : « يا معشر الخزرج إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا ، وتبايعونه على حربنا ، وإنه واللّه ما من حيّ من العرب أبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم » . فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون باللّه : ما كان من هذا شيء وما علمناه ، وقد صدقوا ، لم يعلموه ، قال : « وبعضنا ينظر إلى بعض » . ونفر الناس من منى ، فتحرى القوم الخبر فوجدوا أن الأمر قد كان ، فخرجوا في طلبنا فأدركوا سعد بن عبادة بأذاخر « 1 » والمنذر بن عمرو - وكلاهما كان نقيبا - فأما المنذر فأعجز القوم فهرب ، وأما سعد فأخذوه ، فربطوا يديه إلى عنقه بشراك رحله ، ثم أقبلوا به حتى أدخلوه مكة يضربونه ويجذبونه بجبهته ، وكان ذا شعر كثير . قال سعد : فو اللّه إني لفي أيديهم يسحبونني ، إذ أقبل إليّ رجل ممن كان معهم ، فقال : « ويحك . . أما بينك وبين أحد من قريش جوار ولا عهد ؟ » قلت : « بلى واللّه ، لقد كنت أجير لكل من جبير بن مطعم والحارث بن أمية تجارهما وأمنعهم ممن أراد ظلمهم ببلادي » ، قال : « ويحك ، فاهتف باسمهما » ، قال : ففعلت ، فجاء مطعم بن عدي والحارث بن أمية فخلّصاه من أيديهم . قال ابن هشام : وكانت لبيعة الحرب حين أذن اللّه لرسوله في القتال شروطا سوى شرطه عليهم في بيعة العقبة الأولى . كانت الأولى على بيعة النساء ، وذلك أن اللّه لم يكن أذن لرسوله صلى اللّه عليه وسلم في الحرب ، فلما أذن اللّه له فيها وبايعهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في العقبة
--> ( 1 ) أذاخر : موضع قريب من مكة .